طه عبد الرحمن

87

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

4 - نتائج التخلّق المؤيّد والخروج من آفة التنقيص نتناول في النهاية الخطوة الثالثة من التدليل على دعوى اقتدار التخلّق المؤيّد على محو الآفات الخلقية لحضارة القول ، وتقتضي هذه الخطوة الأخيرة أن نثبت أن نتائج هذا التخلق تدرأ التنقيص الذي تعرّض له الفعل الخلقي في سياق هذه الحضارة ، ونحصي من هذه النتائج ثلاثا قد تستجمع الباقي . 4 . 1 . الشعور بالسعادة إذا كان أصل الشقاء هو شعور المرء بالحرمان والنقصان على قدر ما يكون له من التعلق بالمصالح والمطامع ، فإن أصل السعادة هو شعور المرء بالاستغناء والتمام على قدر ما يكون له من التحرر من هذه المصالح والمطامع ؛ ومعلوم قطعا أن التخلّق المؤيّد يورّث صاحبه القدرة على الاستغناء والتحرر من كل ما لا يفيده مزيد التقرب من مقصوده الأسمى ، فلا يتعلق إلا بما يحقق له هذا التقرب ، وحتى تعلّقه به لا يكون تعلقا به لذاته ، وإنما لمطلوبه الذي هو دائما وأبدا أمامه ، فيحتاج إلى أن يدوم على عادة الخروج من هذه التعلقات ؛ ولما كان استغناء المتخلّق أو تحرره من قيود الأغراض متواصلا على الدوام ، فإنه يكون أقرب من غيره إلى تحصيل السعادة لنفسه وتحصيل الإسعاد لغيره ، هذا إذا لم يكن متمتّعا بهذه السعادة على الوجه الذي لا يشاركه فيه سواه ، لأن سعادته ليست سعادة ظاهرة تذهب مع ذهاب أسبابها - وهي العطاءات المادية - ، وإنما سعادة خفية ، لأن سببها باق لا يذهب ، وهو العطاء الروحي . وبإيجاز ، فإن التخلق في مرتبة التأييد يحرر المتخلّق من موانع السعادة ويزوده بأسبابها التي لا تزول ولا تحول . 4 . 2 . النظرة الإنسانية يدرك المتخلّق أكثر من غيره أن الإنسان ما خلق إلا ليتخلّق « 7 » ، وأنه لا يكون له من الإنسانية إلا على قدر ما له من التخلق الذي من أجله خلق ، بحيث إذا قام بشرطه على تمامه ، حقق الإنسانية فيه ، وإذا تركه سقط إلى رتبة البهيمة ؛ ولما كان التخلق في رتبة التأييد بهذه الصفة ، فإنه يكون أبلغ أنواع التخلق في استجماع أقصى

--> ( 7 ) تدبر الآية الكريمة : " وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ " ، 56 - 58 ، سورة الذاريات .